أبي المعالي القونوي
105
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
لكن للواحد والوحدة نسب متعدّدة ، وللكثرة أحديّة ثابتة ، فمتى ارتبطت إحداهما بالأخرى ، أو أثّرت ، فبالجامع المذكور . وصورته فيما نروم بيانه : أنّ للواحد حكمين : أحدهما : كونه واحدا لنفسه فحسب من غير تعقّل أنّ الوحدة صفة له ، أو اسم ، أو نعت ، أو حكم ثابت ، أو عارض ، أو لازم ، بل بمعنى كونه هو لنفسه هو ، وليس بين الغيب المطلق الذي هو الهويّة وبين هذا التعيّن الاسمي الأحدي فرق غير نفس التعيّن ، كما أنّه ليس لشيء في هذا الغيب تعيّن ، ولا تعدّد وجودي فيكون الحقّ ظرفا لغيره ، تعالت أحديّته عن ذلك . ثم نقول : والحكم الآخر من الحكمين المضافين إلى الواحد هو كونه يعلم نفسه بنفسه ، ويعلم أنّه يعلم ذلك ، ويعلم وحدته ومرتبته ، وكون الوحدة نسبة « 1 » ثابتة له ، أو حكما ، أو لازما ، أو صفة لا يشارك فيها ، ولا تصحّ لسواه . وهذه النسبة هي حكم الواحد من حيث نسبته « 2 » . ومن هنا أيضا يعلم نسبة الغنى عن التعلّق بالعالم ، ونسبة التعلّق به المذكور من قبل ، ومن هذه النسبة انتشت « 3 » الكثرة من الواحد بموجب هذا التعدّد النسبي الثابت ، من حيث إنّ معقوليّة نسبة كونه يعلم نفسه بنفسه ، وكونه واحدا لذاته « 4 » لا شريك له في وجوده مغايرة لحكم الوحدة الصرفة ، فالتعدّد بالكثرة النسبيّة أظهر التعدّد العيني « 5 » . وهذان الحكمان اللازمان للواحد مسبوقان بالغيب الذاتي المجهول النعت الذي لا يصحّ عليه حكم مخصوص ، ولا تتعيّن له - كما قلنا - صفة مميّزة من وحدة أو كثرة أو غيرهما . وحكم الوحدة بالنسبة إلى العدد هو كونها من شأنها أن يعدّ بها ، وأن تظهر العدد ، لا أنّها منه ، والاثنينيّة علّة للعدد أيضا ، ولكنّها كالعلّة « 6 » الماديّة ، والثلاثة أوّل العدد التامّ ، وأوّل كثرته ، وأوّل تركيباته ، فافهم . وإذ قد نبّهنا على مرتبة الوحدة بهذه الإشارة الوجيزة ، فلننبّه أيضا على مرتبة الكثرة
--> ( 1 ) . ه : نسبته . ( 2 ) . ه : نسبة . ( 3 ) . في بعض النسخ : انتشأت . ( 4 ) . ب : بذاته . ( 5 ) . ق : النسبي ، ب : الغيبي . ( 6 ) . ب : كالعدد .